سعاد الحكيم

305

المعجم الصوفي

اذن يعيش ابن عربي في عالم « رموز » فكل ما يهفو اليه هو في الواقع رمز وحجاب على الحق . والحق هو المحبوب على الحقيقة من خلف حجاب الرمز . وتختلف هذه الرموز فيما بينها ، إذ تتفاوت طاقات دلالتها إلى ذات المرموز اليه اي الحق . وهنا تبرز « المرأة » إذ انها تنفرد من دون سائر الرموز باتاحتها للسالك أكمل شهود للحق . وهكذا تظهر المرأة مجلى من مجالي الجمال المطلق ، الذي يتعشقه ابن عربي ويقدسه ويعبده . فهي ليست محلا للشهوة بذاتها ، بل هي رمز لذلك الجمال الشامل ، وطريق موصل إلى الحق ان جاز التعبير 23 . فان بثّها حبه واشواقه ، فإنما هو في الحقيقة يعبر من خلالها إلى ما ترمز اليه ، إلى الحق : فالجمال المقيد المحسوس باب مفتوح على الجمال المطلق يعبر منه من لا يقف مع الرمز . يقول ابن عربي : ( 1 ) « فهو [ اللّه تعالى ] الظاهر في كل محبوب لعين كل محب . . . فالعالم كله محب ومحبوب وكل ذلك راجع اليه ، كما أنه لم يعبد سواه 24 . . . وكذلك . . . ما أحب أحد غير خالقه ولكن احتجب عنه تعالى بحب زينب وسعاد . . . وكل محبوب في العالم ، فأفنت الشعراء كلامها في الموجودات وهم لا يعلمون ، والعارفون لم يسمعوا شعرا ولا غزلا . . . الا فيه تعالى من خلف حجاب الصور . وسبب ذلك الغيرة الإلهية : ان يحب سواه . . . فعلى كل وجه ما متعلق المحبة الا اللّه » ( فتوحات 2 / 326 ) . ( 2 ) « فإذا شاهد الرجل الحق في المرأة كان شهودا في منفعل ، وإذا شاهده في نفسه - من حيث ظهور المرأة عنه - شاهده في فاعل ، وإذا شاهده في نفسه من غير استحضار صورة ما تكون عنه ، كان شهودة في منفعل عن الحق بلا واسطة . فشهوده للحق في المرأة أتم وأكمل ، لأنه يشاهد الحق من حيث هو : فاعل منفعل . . . فلهذا أحب صلى اللّه عليه وسلم النساء 25 لكمال شهود الحق فيهن ، إذ لا يشاهد الحق مجردا عن المواد ابدا . فان اللّه بالذات غنّي عن العالمين . وإذ كان الامر من هذا الوجه ممتنعا ولم تكن الشهادة الا في مادة ، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود واكمله » ( فصوص 1 / 217 ) . - - - - - ( 1 ) لقد تكلم الصوفية على الاشتقاق اللغوي لكلمة « حب » قبل التعمق في ماهيتها وفروعها - - - - -